إعادة التدوير إقتصاد المستقبل – العدد 468

Download

إعادة التدوير إقتصاد المستقبل – العدد 468

مقابلات
2019العدد 468 تشرين الثاني/نوفمبر

تطبيقه في الدول الغربية بدأ منذ عقود

إعادة التدوير إقتصاد المستقبل

وهبه: عملية إعادة التدوير تحافظ على نظافة البيئة

معلوف: سياسة حفظ الموارد أو توفيرها أو تدويرها أفضل من سياسة حرقها والمساهمة في زيادة استنزافها

قد لا يكون مفهوم «الاقتصاد الدائري» متداولاً على نطاق واسع في لبنان، بالرغم من أنه بات مدماكاً راسخاً في العديد من إقتصادات الدول الغربية، ونموذجاً تستعد أكثر من دولة عربية للسير به للمساهمة في تحقيق النمو المستدام الطويل الأمد، بما يتماشى مع التوجهات العالمية في التنمية المستدامة والقيم الإنسانية وتحسين جودة الحياة، لكن توقيت طرحه على بساط البحث في لبنان يصبح أمراً مشروعاً في ظل الأزمة السياسية والإقتصادية الحادة التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وفي الوقت الذي يفتح النقاش فيه واسعاً عن كيفية زيادة صادرات الدولة اللبنانية والتخفيف في العجز في الميزان التجاري وكلفة الإنتاج، كي يتحول المنتج اللبناني إلى منتج منافس داخلياً وخارجياً وبالتالي تخفيف كلفة الفاتورة التي تدفعها الدولة والمواطن معاً.

والبديهي القول إن مفهوم الاقتصاد الدائري، لا يعني فقط تأمين هواء نظيف ومياه صالحة للشرب، بل أن نعتاد على التفكير في نهاية كل سلعة، منذ بداية إنتاجها، وليس فقط في طريقة معالجة الآثار المترتبة عن ذلك، بمعنى آخر البحث في سبل تمويل الصناعات النظيفة وجذب رؤوس الأموال والاستثمارات وتمويل الهيئات المانحة وبيوت المال الدولية، بما يوفر آلاف فرص العمل الجديدة حول العالم، وهو منهج متكامل للابتكار والإبداع التكنولوجي والرقمي في الصناعة ويدعمها.

حياة أكثر استدامة

لا شك أيضاً أن الاقتصاد الدائري هو إقتصاد المستقبل، إذ يحمل في طياته إستعمالاً منظماً للموارد يراعي التغيرات المناخية والبيئية، ويعمل على توفير نمو اقتصادي ويخفض من مستويات التلوث والإحتباس الحراري في العالم، ويؤمن للأجيال القادمة حياة أكثر إستدامة وسلامة، وبالتالي فهذا المفهوم يلبي حاجة العالم إلى مقاربة مختلفة للاقتصاد تأخذ في الاعتبار الواقع الاجتماعي، وتأمين إستدامة الموارد والتوعية على أنماط الاستهلاك السليم للتقليل من إنتاج النفايات، ويحمل الداعون إلى تطبيق هذا المفهوم شعار «من المهد إلى المهد» أي الاستفادة قدر الإمكان من المنتج عبر تدويره وإعادة إخراجه في أشكال واستعمالات جديدة لخدمة الاقتصاد والبيئة معاً، وهذا ما نحتاج إليه في لبنان، في ظل الملفات الشائكة التي على المسؤولين معالجتها وأبرزها النفايات والمياه والبيئة والكهرباء والهدر، من هنا فإن الاقتصاد الدائري مهم جداً للبنان وضروري للعبور نحو ضفة الاقتصاد العصري، وبالتالي فهو أحد أعمدة التحول الاقتصادي الجذري الذي يجب أن نحققه لزيادة النمو وتحفيز إقتصادنا وقطاعاتنا الإنتاجية وبناء إقتصاد عصري ومستدام.

وفي هذا الإطار يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد وهبه (أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية) أن «مفهوم عملية إعادة التدوير موجود منذ قرون، فمنذ آلاف السنين تم إعادة تدوير المواد المعدنية عن طريق الذوبان وإعادة استخدامها في الأسلحة أو الأدوات الجديدة، وفي بداية القرن العشرين برز إسم معهد أميركا لصناعات إعادة تدوير الخردة (ISRI)، وهي رابطة تجارية مع أكثر من 1400 شركة عضو، تمتد جذورها إلى إحدى هذه المنظمات التي تأسست في عام 1913. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين نجا كثير من الناس من الكساد الاقتصادي الكبير عن طريق بيع قصاصات من المعادن والخرق وغيرها من العناصر».

يضيف: «التدوير مفهوم موجود في التصرف الاجتماعي التقليدي، فإعادة إستخدام الأواني، وتبادل الكتب، والورق، وإلباس الثياب للأولاد الأصغر سناً، حتى بقايا الأكل يتم تخميرها لإستعمالها كسماد في السنوات التالية، تدخل في إطار اقتصاد التدوير. وقد أصبح للتدوير مفهوماً صناعياً بعد التلوث البيئي الذي برز بعد الثّورة الصناعيّة في أوروبا في القرن الثّامن عشر، والذي تفاقم مع إزدياد الصّناعات وأدّى إلى زيادة مطردة بكميات النفايات النّاتجة. كما أن تزايد أعداد سكّان العالم وازدياد الكثافة السكانيّة في المدن والتطور الصناعي والتكنولوجي الهائل أدّى إلى زيادة كميّة الموادّ المُستهلَكة، والتي أدّت بدورها لإنتاج كميّات كبيرة من النّفايات الصّلبة بمُختلف أشكالِها وأنواعها. وتعدّدت طرق الحكومات للتخلّص من هذه النّفايات، فمنهم من استخدم عمليّة الطّمر داخل الأرض، ومنهم من استخدم عمليّات الحرق، وآخرين استخدموا المكبّات المكشوفة للنّفايات دون حرقها أو طمرها، ومنهم من وجد في المُحيطات والبحار والأنهار مكاناً للنّفايات. كل الطّرق السّابقة تستنزف الكثير من الموارد الطبيعيّة والاقتصادية للأرض وتُشكّل عبئاً بيئياً كبيراً، ومن هنا برزت الحاجة المَاسَّة إلى إيجاد بدائل لتلك الطّرق، فكان الحلّ الأمثل هي عمليّة إعادة التّدوير للموادّ المُستهلَكة، سواءً كانت بلاستيك، أو زجاج، أو مطّاط، أو زيوت، أو أوراق، أو أيّة مادةٍ أُخرى صلبة أو سائلة».

ويتابع: «مع بداية تصنيع البتروكيميائيات في الدول العربية، كان من الطبيعي أن تلتفت هذه الدول إلى الاستفادة من إعادة التدوير لتقليل الطّلب على الموادّ الخام، وبالتّالي تحقيق عوائد اقتصاديّة وأرباح من المواد الخام المُعاد تصنيعها، وتقليل نسبة البطالة بتوفير فرص عمل بشركات إعادة التّدوير، وتوفير الطّاقة التي تُستهلَك في استخراج الموادّ الخام ثمّ تصنيعها، إذ إن عمليّة التّدوير هي نصف عمليّة تصنيعيّة فتستهلك الطّاقة بشكلٍ أقلّ. بالنسبة للبنان إن عمليّة إعادة التّدوير تساهم أولاً في المُحافظة على نظافة البيئة من أضرار طمر وحرق النّفايات أو تركها مكشوفة، أو رميها في ما يهدد الحياة البحرية والنهرية، ويلوث الهواء والمياه الجوفية ويزيد مشكلة الاحتباس الحراري».

المنهجية الأمثل

من جهته يشرح الخبير البيئي حبيب معلوف أهمية الاقتصاد الدائري من زاوية بيئية فيقول: «في ختام أعمال الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء البيئة العرب التي عقدت في عمان بداية العام 2019، كان لبنان بين 18 دولة عربية أقرّت ورقة مفاهيمية وضعتها الأمم المتحدة للبيئة بعنوان «إدارة النفايات الصلبة في العالم العربي»، وقد تضمنت مبادئ باتت عالمية مثل «الاقتصاد الدائري» و«تقييم دورة الحياة للمنتجات»، وهي مفاهيم، إذا ما دُرست وفُهمت جيداً وتُرجمت في الاستراتيجية التي لم تبصر النور بعد، يفترض أن تتغير معها كل الصيغ الجاهزة التي يطرحها كبار المستثمرين في هذا القطاع، فـ«الاقتصاد الدائري» لا يتوافق مع الحرق والترميد، وهو يعني أن لا شيء يُفترض أن يضيع من الموارد حتى بعد تحوّلها إلى نفايات. أما «تقييم دورة حياة المنتجات»، فهي المنهجية الامثل لدرس سبل تخفيف مشكلة النفايات ومعالجة تولدها على المدى البعيد، إذ تعني أن تُدرس كل سلعة في مراحل تحوّلها، منذ أن كانت مواد أولية في الطبيعة، وطرق استخراجها وتصنيعها واستخدامها واستهلاكها وكلفة المعالجة عندما تتحول إلى نفايات. على ضوء هذه الدراسة، يُحدّد سعر السلعة وسبل معالجتها وكلفتها، على أن تحدد الاستراتيجيات ما الذي يجب منعه أو تشجيعه، للمحافظة على ديمومة الموارد ودائرية دورة الإنتاج والاستهلاك كل ذلك مع الاخذ في الاعتبار احتمالات نضوب الموارد والأثر الذي تتركه أساليب الاستخراج والتصنيع والاستخدام وطرق التخلص».

يضيف: «أكدت تقارير الأمم المتحدة للبيئة التي عرضت في الجمعية العامة مؤخراً، أن استخراج الموارد زاد أكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 1970، وتتسبب الزيادة في أنماط الإنتاج والاستهلاك السنوية بزيادة انبعاثات غازات الدفيئة العالمية وتهديد التنوع البيولوجي وزيادة الإجهاد المائي. وتوقع تقرير الموارد للعام 2019 زيادة استخدام الموارد الطبيعية بنسبة 110 في المئة، مما يؤدي إلى تقليص الغابات بنسبة تزيد على 10 في المئة والموارد الأخرى مثل المراعي بنحو 20 في المئة، وزيادة انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 43 في المئة لذلك، أوصى بالانتقال من الاقتصاد الخطي إلى الدائري عبر احترام دورات حياة المنتج، والتصميم الذكي للمنتجات وإعادة الاستخدام والتدوير وإعادة التصنيع».

مفاعيل إيجابية

كل ما سبق من شرح حول أهمية «تكريس مفهوم الاقتصاد الدائري» وتطبيقه، يقود إلى السؤال كيف يؤثر «الاقتصاد الدائري» على تحقيق النمو المستدام وتحسين جودة الحياة؟

يجيب وهبه بالقول: «الاقتصاد التدويري عملية تستهدف إعادة استخدام المواد التالفة لإنتاج مواد جديدة، وقد بدأت الدول تلجأ إليها في ظل التطور الصناعي والتكنولوجي المتلاحق، بهدف تخفيض قيمة المواد الآلية. يوجد فوائد بيئيّة واقتصاديّة واجتماعيّة للاقتصاد التدويري علماً بأن التدوير يعتبر أفضل طريقة للتخلّص من النّفايات والحفاظ على سلامة البيئة والإنسان، وقد انتهجت كثير من دول العالم المُتقدّم سياسات إعادة التّدوير للتخلّص من النفايات».

يضيف: «أهمية التدوير أنها ترفع من مستوى أداء الشركات وتحقق مستوى أعلى من الربحية وتخفض من استهلاك المواد الأولية وتحقق دورة إنتاجية متكاملة باستخدام أمثل للموارد الطبيعية، وتشير الإحصائيات العالمية إلى أن إعادة تدوير طن من الورق يمكن أن توفر قطع 17 شجرة وتوفير 227.125 ليتراً من المياه 4200 كيلواوط من الكهربـاء وأربعــة براميل نفط و2.4 متر مكعب من مساحة مكبات النفايات وتوفير 28 كلغ من الهواء الملوث، وهكذا فإن إعادة تدوير الورق يمكن أن تخفف 74 في المئة من تلوث الهواء و35 في المئة من تلوث المياه، كما أن إعادة تصنيع 3000 طن من الورق في السنة يمكن أن توفر عشر فرص عمل لعمليات الفرز والتجميع و13 فرصة عمل لإعادة التصنيع و25 فرصة عمل لإستخدام هذه الأوراق المعاد تصنيعها. أي بصورة إجمالية توفير ما يقارب الخمسين وظيفة جديدة».

ويتابع: «إن الاعتماد على التدوير كنموذج اقتصادي له عدة حسنات على صعيد تشغيلي، ويرفع من مستوى المداخيل في المؤسسات ويؤدي دوراً اجتماعياً في التخلص من النفايات.على صعيد التوفير في المواد الأولية المستهلكة، فإن إعادة تصنيع نصف الإنتاج العالمي أو نصف الكمية التي تستهلك في العالم فيمكن أن توفر 20 مليون هكتار من الغابات، كون 45 في المئة من استهلاك الغابات في العالم يذهب لإنتاج الورق، هذا مع العلم بأنه في كل ثانية يتم تدمير هكتار من مساحة الغابات في العالم، وهناك مساحة من الغابات توازي عشرة أضعاف مساحة لبنان تختفي سنوياً».

يشرح وهبة أن «إعادة تصنيع طن من ألومنيوم يمكن أن توفر 8896 ليتراً من الوقود، وهي كمية يمكن أن تكون كافية لتزويد منزل بالكهرباء، كما أن استخراج المعادن من المواد الخام، على وجه الخصوص، هي عملية مكثفة للطاقة بشكل كبير. فإعادة تدوير الألومنيوم، يمكن أن تقلل من استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 95 في المئة، بالإضافة إلى الوفورات التي تحققها المواد الأخرى بنسبة أقل ولكن بنسب جوهرية، فالمواد البلاستيكية توفر طاقة بنسبة 70 في المئة مقارنة مع إنتاج جديد، كما أن تدوير الصلب يوفر 60 في المئة من الطاقة، والورق بالإضافة إلى الغابات التي يتم الاستغناء عنها توفر 40 في المئة من الطاقة والزجاج 30 في المئة. وعلى الصعيد الصحي فإن عملية إعادة التدوير تقلل من انبعاثات الملوثات التي يمكن أن تسبب الضباب الدخاني والأمطار الحمضية وتلوث الممرات المائية، وبذلك ينخفض إلى حد كبير مستوى الأمراض المرتبطة بهذه الانبعاثات من حساسية، وأمراض سرطانية ومستعصية».

من جهته ينبه معلوف إلى أن «المبادىء والسياسات، مضافة إليها مبادئ «التخفيف والتجنب» الأساسية، يمكن أن توفر في الاقتصاد وعلى البيئة والصحة في آن. مع العلم أن للبلدان المصنفة نامية مصلحة أكثر من غيرها، في تبني هذه السياسات المحافظة والحمائية، كون مجتمعاتها استهلاكية أكثر منها منتجة أو مصنعة. ومن العبث التفكير في نقل تجارب الدول المصنفة متقدمة، إن من ناحية المبادئ أو من الناحية التقنية ونقل التكنولوجيا. كما أن فكرة استرداد السلع الخطرة أو السامة أفضل وأولى من سياسات استرداد الطاقة».

ويضيف: «سياسة حفظ الموارد أو توفيرها أو تدويرها أفضل من سياسة حرقها والمساهمة في زيادة استنزافها. مع حفظ إمكانية توليد الطاقة من غازات تخمير النفايات العضوية وليس من حرقها. بالإضافة إلى اعتماد سياسات تشجيع مبادئ الاسترداد والتخفيف بواسطة الضريبة البيئية، لتقليص المواد الباقية للطمر إلى أقصى حد. وبعد القيام بكل هذه الاجراءات الاساسية والضرورية، يمكن البحث في طمر ما يتبقّى، أو في حرق ما لا يمكن إلا حرقه. مع العلم أن تطبيق مبادئ التخفيف والاسترداد وتغريم المواد المزعجة والمكلفة في المعالجة، سيدفع على المدى البعيد المصنّع إلى تغيير اتجاهاته في التصنيع ويجعل المحارق والمطامر تفرغ من مضمونها».

باسمة عطوي